شجرة التوت لم تمت ..لكنها نائمة
استفقت هذا الصباح من نومي العميق. أسّرت لي جارتي الهرمة أكثر منيّ أننا كنّا في غيبوبة طويلة، وأنّ ذلك أشبه بفقدان الذاكرة، وأنّ عمراً طويلا ً قد انقضى.. واحمدي الله - أضافت بهمس -أننّا بقينا نحن الإثنتين نحملُ شيئاً من الحياة، وقليلاً من الأوراق التي لم تذبل بعد..أماّ أخواتنا اللواتي كنّا معنا، فقد أصبحنَ وقودا ً للمدافئ الشرّيرة، والتنانير القليلة المتبقيّة..
انتظرت - بعد تذكّري شيئا ً من الأمس البعيد - أول رفّ ٍ من العصافير، عّله يأتيني بأخبارالجارات، وأقلّهُ أن يغنّي لي أغنية الصباح.. أعرفه (الدوري) كما (السنونو) يفضِّل الأعشاب النابتة في شقوق أحجار البيوت.. كذلك ( الورور)، فإنّه يأتي مرةً أو مرتَين في السنة، ويفضِّل إرسال التحيَةِ من بعيد، من أعالي السماء .. ثمًّ بعد ساعات يغيب ويذهب إلى مكان بعيد.. بقي أملي ( بالفشتكّي ) و ( أبو الحنّ ) . انتظرت وانتظرت.. عصفور واحد- لم أعد أتذكّر اسمه- أتى أولاً، تبعه عصفوران اثنان، اقتربوا منيّ وغطّوا على طرف غصني المورق. بصمت يحطِّم الأعصاب حدّقوا بي، وبكلمة واحدة لم ينطقوا،
ومثلما أتوا ساكتين ذهبوا ساكتين،وكأنهم نسوا حتى تحيّة الصباح.. ما تعوّدت في حياتي الغضب من أحد، أو الحقد عليه.. حتى على الذين كانوا يكسرون الأغصان - ولا أعرف ماذا يفعلون بها- فكيف أغضب من العصافير؟
غسلتُ وجهي بقطرات من الندى، ونصبتُ أذنَيَّ.. وتخيّلتهما طويلتين، بطول أذنَي حمارةِ ( أبو عيسى ) التي كان يربطها عندنا.. وصممّتُ أن أسمع وأراقب كلّ شيئ.
كان الطريق يرتفع قليلا ًعن البستان الذي كنّا فيه؛ وكنت أستطيع أن أرى وأسمع كلّ من يتحرك هناك.أبقيت عينيّ وأذنيَّ مشدودتان.. لكن قبل أن ترتفع الشمس وتظهر من فوق البيوت التي أصبحت الآن عالية، أصابني الدوار، ووجدت نفسي لا أفهم ولا أميّز شيئا من شيئٍ ممّا أرى أو أسمع..التفتُّ الى الجهة التي كانت تقبع بها جارتي الهرمة والحكيمة، أريد أن أسألها عمّا جرى، فرأيتها مثل كومة من ( البلاّن ) تبتعد ببطءٍ بإتّجاه الوادي.. ولم يكن أحد بجانبي يسمع صوتي، حتى أنا لم أعد أسمعه..تذكّرتُ عند ذاك قولها لي، أننا كنّا في غيبوبة طويلة، وخفت أن أعود إلى النوم والكوابيس..
جفِلتْ قطّةٌ كانت نائمة قرب الحائط، وأجفلتني..وتبيّنتُ أن رجلا ًكان يتدحرج من الطريق إلى البستان. كان يتقدم منّي كأنه سكران، وعندما اقترب تذكّرته. إنه هو (خلّودي ) الذي كان يتردد إلى الضيعة، ويضرب على( الطبل) في المناسبات. لكّنه الآن أصبح أشيب الشعر ويعرج قليلا ً..أخرج من جيبه قطعةَ من الخبز لا لون لها، واتّكأ بظهره إلى ساقي، وجلس في ظليّ الخفيف.. بعد تنهيدةٍ طويلة، بدأ يسعل ويحكي مع نفسه أو معي، لاأعرف، فقد كنتُ لا أرى عينيه أين تنظران.. فهمت من كلامه أشياء، وأشياء كثيرةغابت عنيّ.. كان عاتباً على الناس. وقال أنّهم نسوا الخبز والملح..سافروا إلى المدن وتركوا الأشجار تموت. يذهبون ويجيئون ولا خير يُرتجى منهم.. يسخرون منّي حيناً ويرفعون أصواتهم في وجهي حيناً آخر،
أماَ شرطي البلدية الذي لا همً له إلا أن يمنع الأولاد من اللعب والغناء، فهم يرفعون له التّحية ويقدمون له كلّ شيئ.. قال أشياء كثيرة أخرى لم أفهمها.. ومن ساعة طويلة من الكلام والسعال، لم أستفد منه إلا ما قاله عن الشرطي والأولاد.. وفي الحقيقة – أضافت شجرة التوت- قد أكون أنا رجعتْ لي نوبة النعاس فاختلطت عليّ الأمور، وربما سأعود إلى الغيبوبة الطويلة، التي تحدّثت عنها جارتي الهرمة والحكيمة..
ن.ع. يازجي - مرمريتا
ضيعتنا

