(الجب) و آبار الماء في مرمريتا
المياه عصب الحياة فبدون ماء لا يمكن للأحياء أن تحافظ على وجودها و لما كانت مياه الينابيع في مرمريتا قليلة الغزارة ولا يمكن أن يعتمد عليها في الاستعمالات المنزلية و خاصة أن عدد السكان في البلدة بتزايد مستمر لذلك فكر سكان البلدة بوسيلة تحميهم من العطش فأخذ كل شخص يحفر بئراً في داره لا يزيد عمقه عن خمسة أمتار و قطره عن ثلاثة أو أربعة أمتار ثم يبطن من الداخل بالملاط
( رمل يجبل مع الكلس في القديم أما الآن فرمل مع اسكنت ) ليمنع نفاذ المياه إلى الأعماق أو الجوانب وكانت فوهة البئر صغيرة بحيث يمكن أن يوضع عليها أغطية حجرية أو حديدية لمنع نزول الأوساخ والأقذار إلى البئر و لمنع سقوط الأولاد الصغارفيه و تملأ هذه الآبار في فصل الشتاء بجمع المياه المتساقطة على سطوح المنازل و سوقها بميازيب إلى البئر و يؤخذ الماء بدلاء معدنية.
أما الأسر الكبيرة العدد فكثيراً ما تحفر بئرين أو أكثر لتؤمن حاجتها من الماء و هذا يبلغ عدد الآبار في البلدة حوالي 600 بئر ردم قسم منها والآبار الباقية لاتزال تحكي قصص مرمريتا القديمة وقد كانت مياه الآبار هي المصدر الرئيسي للمياه في البلدة رغم أنها ضارة لأنها مياه جمعت عن السطوح و كثيراً ما تكون السطوح ملوثة ووسخة عدا عن أن بعض الحشرات كالبعوض مثلاً يسكن في الآبار .
رغم وجود الآبار في مرمريتا فإن السكان كان يذوقون الأمرين من قلة المياه و خاصة في السنوات القليلة الأمطار حيث لا تمتلئ الآبار و هذا ما حدث فعلاً في عام 1954 م حيث ذاق سكان مرمريتا عذاباً قاسياً وعطشاً مريراً و اضطروا إلى نقل الماء على ظهور الحمير التي اشتروها خصيصاً لهذا الغرض من القرى المجاورة و في هذا العام بالذات شعر السكان بقيمة المياه بشكل فعلي لذلك طالبوا الحكومة بالحاح لحفر آبار ارتوازية تبعد عنهم خطر العطش فكانت تشكل الوفود من أهالي البلدة و تذهب لمواجهة المسؤولين وخاصة محافظ حمص المسؤول عن محافظته و لإخباره أن في إحدى قرى محافظته أناس يموتون عطشاً و بعد مدة أرسلت الحكومة مهندساً أو خبيراً مائياً ليبحث عن مكان يحفر فيه بئراً ارتوازياً و بعد البحث عثر على مكان يقال له ( بستان أبو علي)يحوي في الأعماق على مياه غزيرة جداً ويقع هذا البستان في شمال البلدة وفي سفح جيل السايح ثم عين المكان الذي يجب أن يحفر فيه البئر و أرسلت حفارة تابعة لشركة( I.P.C ) للقيام بحفر البئر و باشرت عملها في المكان المعين في صيف عام 1955م وبعد عمل دام ستة أشهر حفرت بئراً عمقه 165م و غزارة مائه 2.5انش أي ما يعادل 10 أمتار مكعبة في الساعة و كان يخرج أثناء تعزيل البئر أثناء الحفر فتات صخري مع مادة صخرية قاسية سمراء مائلة للخضرة و تحتوي على بعض الذرات اللماعة و جربت على الزجاج فحزته و قيل أن عمال الحفارة أرسلوا هذه المادة إلى المسؤولين الفنيين في الشركة للاستفسار عنها و لم ندر ما كان الجواب إلا أن عمال الحفارة بعد أن صعدت المياه بشكل غزير مدة من الزمن احتجوا أنهم يودون تعميق البئر أكثر من ذلك لزيادة غزارة المياه لكنهم قطعوا ريشة الحفر (أداة الحفر) و أبقوها في البئر و قالوا أنهم لا يستطيعون إخراجها ثم ألقوا في البئر 30 برميلاً من المازوت و أغلقوه إغلاقاً محكماً وطلبوا من الخبير أن يعين لهم مكاناً آخر ليحفروا فيه البئر فعين لهم مكاناً لا يبعد عن المكان الأول سوى ستة أمتار إلا أن العمال رفضو العمل في هذه المنطقة كلها و طلبوا تغيير المنطقة كلها و فعلاً عين لهم مكانًاً آخر في وسط البلدة في ساحة يقال لها ساحة مار يوحنا و حفرت شركة (I.P.C ) نفسها في هذا المكان بئراً عمقه 152م إلا أن مقدار الماء كان انشاً واحداً فقط أي ما يقارب 4 أمتار مكعبة في الساعة و كانت الشركة تريد تعميق البئر إلى 225م حيث يخرج نهرمن الماء حسب تعليمات الخبير إلا أن قطعة حديدية سقطت في البئر على عمق 152م فاكتفت الشركة بهذا الحد و ركبت محركاً و مضخة ماء لسحب المياه من البئر إلى خزان صغير بني فوق البئر ووضعت في أسفله صنابير (حنفيات) لتوزيع المياه وسلمت الشركة المحرك للبلدية الموجودة في البلدة وهذا المحرك صغير و يعمل على حرق البنزين و يكلف نفقات باهظة لذلك حولته البلدية ليعمل بواسطة الكهرباء .
ولا زال أهالي مرمريتا في حيرة من أمر موظفي شركة(I.P.C ) الذين أغلقوا البئر الأول رغم غزارة مائه و يظنون أن في المنطقة معادن ثمينة و لكنهم بانتظار الجيولوجيين و الخبراء لدراسة المنطقة دراسة كاملة و التعرف عليها.
إن المياه المستخرجة من بئر مار يوحنا قليلة الغزارة فلا تكفي حاجة السكان المتزايدي العدد ولا زيادة الحاجة للماء لذلك جرت الحكومة الماء إلى البلدة من بلدة مجاورة و كان عدد المنازل التي دخل إليها الماء في حتى عام 1965 حوالي 74 منزلاً وبعد عدة سنين حفر بئر مياه لمرمريتا على الطريق الواصل بين مرمريتا و قرية جوار العفص و منذ بضع سنوات حفر بئر آخر للمياه في منطقة تدعى عين الحوراني .
هكذاو بإيصال الماء النقي للمنازل ابتدأت حياة جديدة بين السكان الذين تحملوا العطش سنين عديدة ذاقوا خلا لها مرارة العطش و قساوته.
وسام سعادة عن كتاب والده
الاستاذ حنا سعادة (وصف بلدة مرمريتا)
ضيعتنا مرمريتا