من خوابي الذاكرة
لم يكن سؤاله موجها اليّ بمفردي .. هكذا أحسست .ولكنني لمحت علامات استفهام تتقافز من فم صديقي عندما بادرني بالسؤال بعد أن ألقى التحية والسلام
قال: كيف لمن يكتب على موقع ضيعتنا وغيره من المواقع وخصوصا ذاك الذي ترك أرض الوطن منذ سنوات وسنوات مبتعدا عن مصادر اللغة الأم / اللغة العربية /
وأنه بقي محتفظا بهذا القدر الكبير من مفرداتها على صعوبتها وامكانية حفظها بعد انقطاع وابتعاد , وراح يعدد بعض الأسماء ممن يكتبون
عندها شعرت وكأنني كنت على موعد مؤجل مع ذاكرتي , فقررت الاجابة على سؤاله بما استطعت من استحضار لذاكرتي القديمة وأيام الطفولة
ولمّا كانت مرحلة الطفولة هي مرحلة اللهو والاستمتاع بالحياة , ومرحلة المراهقة هي تحدّي القيود والقواعد والقوانين ,فاني وفي تلك المرحلتين من عمري اصطدمت بجدار صلب منيع أساسه قانون التحريم مع كل ما علّق عليه من لوائح ممنوعات ومحرّمات ,
ذلك الجدار كان المرحوم والدي .
فما ان ننتهي من العام الدراسي حتى تراني أدخل فصلا دراسيا صيفيّا لا تقلّ فيه الصرامة عن سابقتها
فكل رفاقي في لهو واستمتاع بفصل الصيف .. أما أنا .. أخضع لدورة في اللغة العربية , فيها استباق المناهج وحفظ قواعد اللغة وما شذّعنها ,وحفظ لكل بحور الشعر الى جانب الفوائد النحوية كما كان يسميها والدي .اضافة لحفظ الكثير من القصائد وشرحها
كل هذا لم يكن مطلوبا في منهاج الدراسة .. فالوقت كان مبكّرا
لكن والدي كان يصرّ دائما على استباقه فكثيرا ما كان يعطيني احدى صفحات الجرائد والتي كانت تصله متأخرة عبر البريد , طالبا منّي أن أعرب ما تحته خط اعراب مفردات , وما بين قوسين اعراب جمل , بعد اختياره لها
وكم كانت كثيرة وصعبة في ذلك الوقت
أو أنه يطلب تلخيص أحد المواضيع كي أستخلص منه عبرة أو حكمة مخبأة خلف السطور
فالويل لمن يخطىء, أما المكافأة فكبيرة لمن يصيب الهدف
وما أذكره أيضا من محرّمات : يوم كنت في الصف السادس الابتدائي وفي باحة المدرسة وبقربي صديق الطفولة والشباب الدكتور العزيز زياد قحوش حين اقترب منّا أحد رفاقنا بخفة ظلّه المعهودة وراح يقصّ علينا بعضا مما شاهده ليلة الأمس على جهاز التفزيون من فكاهات دريد ونهاد قلعي , ولمّا انتهى سألني رفيقي زياد : وهل شاهدتها أنت ؟
فأجبته على الفور أنه من غير المسوح به أن ألمس أوسمع حتى جهاز الراديو أثناء العام الدراسي الا في ما قلّ وندر .. وهنا قال لي : ونحن أيضا
فلم تكن حالتي خاصة أو استثنائية , لابل كان الكثير من رفاقي يشتكون بوداعة الأطفال من ذلك القانون الصارم أي قانون التحريم
واذا ما عدنا لعام دراسي جديد فلا شيء مختلف , فان دخل علينا أستاذنا القدير سليم بيطار أو الأستاذ الياس نسيم حنا /والذي أكن له مودّة ومحبة خالصة / فلن يختلف الأمر بشيء عن المنزل .. فذات الحال وذات اللسان
ولن أنسى طبعا أفضال بقية المدرسين وعطاءاتهم السخية ولكنني أخص مادة اللغة العربية تحديدا والتي بقي الكثير منها مخبئا في خوابي ذاكرتي نبيذا معتقا قطف من كرمة من صدق وأخلص وأعطى .. ولعلّني أيضا وفّقت فأجبت على سؤال صديقي
دريد يازجي - الولايات المتحدة
ضيعتنا