أيّها الأحبّاء،
في هذا الزمن المقدّس، زمن الصوم المبارك، وقت المصالحة مع الله والمصالحة مع الآخر، زمن التوبة والرجوع إلى الذات؛ نجتمع معًا لنصلّي لأجل راحة نفس الراحلة العزيزة أم أنطون.
وبحكم صداقتي القديمة بابنها الدكتور جوزيف متّى، منذ أيّام الدراسة في دمشق وحريصا وإقامتي في مرمريتا، كان لي الحظ أن أتعرّف إلى والدته عن قرب، وأكتشفَ مقدار العظمة والرفعة والأخلاق الحميدة التي كانت تتحلّى بها هذه الأمّ الفاضلة.
ففي زمن اللطافة المزيّفة، والابتسامات المصطنعة، وعبارات المجاملة التافهة والمبتذلة التي تصدر عن الشفاه دون القلوب؛ كان كلّ من يلتقي بها ويزورها يشعر بنوع خاص من اللطافة الصادقة التي تنبع من عالم روحيّ، وتستمدّ جذورها من تعليم يسوع، وتنبعث من صميم نفس مؤمنة، تلبية لدعاء المحبّة الخالصة. وتقودك هذه اللطافة لاكتشاف ما كانت تتمتّع به هذه المؤمنة من صفاء داخليّ، وروحانيّة عميقة تشعّ سحرًا وجاذبيّة على جميع من حولها، بطريقة عفويّة، بلا حساب، ولا عياء، ولا تفكير مسبق، وبطبيعيّة سلسة نادرة قلّ وجودها في هذا الزمن.
هذه اللطافة الصادقة، وهذه الجاذبيّة، ليستا فقط عطيّة تمنحهما الطبيعة؛ بل علينا اكتسابهما. ولا نقوى على التمتّع بهما إلاّ من خلال نسيان الذات، والتضحية والاحتمال، وتهذيب النفس المستمرّ، والجهاد الروحيّ والسهر المتواصل على نفوسنا.
أيّها الأحبّاء،
سمعنا في المقطع من الإنجيل الذي اخترتُه لهذه المناسبة، دعوةَ يسوع لنا: تعلّموا منّي فإنّي وديع ومتواضع القلب، فتجدوا راحة لنفوسكم. وفي مقطع آخر يقول السيّد له المجد: طوبى للودعاء فإنّهم يرثون الأرض.
صفة الوداعة، هي من بين الصفات الكثيرة التي كانت تتحلّى بها فقيدتنا الغالية.
والإنسان الوديع، هو إنسان طيّب وهادئ ومسالم. لايقطع رجاءه بإنسان؛ بل يحتفظ بعلاقات طيّبة مع الجميع.
لا يتناول الأشخاص وأعمالهم بالفحص والتدقيق، ليُصدِر أحكامَه عليهم، بل يترك الحكم لله، الذي هو وحده فاحص القلوب والكلى.
الإنسان الوديع لا يستقرّ فيه أبدًا روح الغضب أو الضيق؛ بل لا تسمح له أيضًا طبيعته الهادئة أن يزجر أو يوبّخ أو يشتدّ ويحتدّ.
لا ينزعج ولا يضطرب لأنّه يعيش في سلام داخليّ راسخ.
الإنسان الوديع لا يتذمّر ولا يتضجّر ولا يشكو؛ بل غالبًا ما يلتمس العذر لغيره، ويبرّر في ذهنه مسلك الآخرين الخاطئ، أو تقصيرَهم وعدم محبّتهم ونكرانهم، وكأنّ شيئًا لم يحدث.
وإن غضب وتأثّر، فسرعان ما يزول غضبه وتأثّره، فيعود إلى صفائه ودماثة خلقه وطيبته. ولا يمكن لحزنه المؤقّت أن يتحوّل إلى حقدٍ أو كرهٍ أو ضغينة.
الإنسان الوديع هو إنسان مملوء من الحنان والعطف والرقّة حتّى لمن لا يستحقّونها.
الإنسان الوديع يريد أن يريح الآخرين ويعمل لسعادتهم؛ ولذلك فهو دائمًا إنسانٌ محبوبٌ من الله والناس.
وهذا كلّه غيضٌ من فيض ما كانت عليه سيرةُ فقيدتنا الغالية أم أنطون. فلائحة فضائلها تطول إن أردنا أن نذكر كرمها، وعفاف نفسها، ونظافة سيرتها، وبشاشتها الدائمة، وملقاها المميّز لضيوفها وزوّارها من أهل وأقرباء ومعارف، حتّى ليشعر من يلتقي بها أنّها في عيد دائم.
بشريًّا، يؤسفنا أن نودّع أمًّا ونحن على مشارف عيد الأم؛ ولكنّ العيد الحقيقيّ للمؤمن هو أن يكون مع الله. ولذلك تعيّد الكنيسة لجميع القدّيسين في يوم وفاتهم.
فإن كانت أمّك حيّة، فاذكر نعمة الله عليك بواسطتها. ولا تنسَ أنّ رضاه عليك من رضاها، وأنّها بركتُه عليك وعلى أطفالك، وادعُ لها جزاء ما ربّتك صغيرًا. فلقد كانت لك دومًا "صفو الهنا ودواء الهمّ والغمّ". وفي يوم ارتحالها عن هذه الدنيا إلى ربّها، أذكر هذا اليوم الذي مشيتَ خلف نعشها، ورأيتَ آخر حفنة تراب تُهال على قبرها. ففي هذا اليوم تشعر إذا كنت ابنًا وفيًّا بأنّ بعضًا منك يموت، وبأنّ أمّك تموت مرّتين، مرّة بانفصال روحها عن جسدها، ومرّة بانفصالها عنك.
وستسمع صوتَها من خلف السحب تناديك وتصلّي من أجلك على الدوام.
أيّها الأحبّاء،
باسمي الخاص، وباسم الآباء المشتركين معي في هذه الصلاة، أتقدّم من أبناء الفقيدة وابنتها وعائلاتهم بأحرّ التعازي القلبيّة الصادقة. وباسمهم أشكر جميع الذين شاركونا الصلاة لأجل راحة نفسها.
كما أودّ أن أشكر الدكتور جوزيف، الصديق العزيز، الذي أراد أن يتبرّع عن راحة نفس والدته بجميع التكاليف لتشييد صالون الكنيسة الكبير، في البناء الجديد الذي سيقام مكان المدرسة القديمة والمطرانيّة، والذي نأمل أن نبدأ الشروع بتنفيذه في أقرب وقت، عندما تسمح الظروف بذلك.
أخيرًا، وفيما نستودع فقيدتنا إلى رحمة الله وعنايته، نصلّي لأجلكم جميعًا أن تعيشوا عمرًا مديدًا مليئًا بالنعم والخيرات والسعادة والقداسة، بنعمة الله الآب والابن والروح القدس، وحماية أمّنا العذراء مريم، آمين.
رئيس دير القدّيس بطرس في مرمريتا
الأب وليد اسكندافي