لبنان في الأذن الإسرائيلية
شبكة «الموساد» تتمدد داخل شبكة «ألفا»
قام بتركيب صحون قطرها أربعة أمتار على أعمدة الارسال التابعة للشركة، بمواصفات تقنية عالية، كي يتجاوز مداها الحدود اللبنانية في اتجاه اسرائيل، من أجل تمكين أجهزة الالتقاط الاسرائيلية من التنصت على المكالمات اللبنانية، فافتضح أمره. إنه طارق ربعة الذي أوقف في 12 تموز (يوليو) الحالي، والذي يعتبر الرأس الثاني الذي يتم توقيفه في شركة «ألفا»، بعد شربل قزي الذي أوقف في 22 حزيران.
والتحقيق الذي بدأ، على قلة المعلومات التي تسربت، يوحي بأن المخابرات الاسرائيلية تمكنت فعلاً من اختراق الشركة، الى درجة أن لبنان كله، شمالاً وجنوباً وسهلاً وجبلاً، بات في أذن اسرائيل. ما قصة شبكة العملاء داخل «شبكة» الاتصالات الخلوية اللبنانية؟
التحقيق لم ينته بعد، بل إنه لا يزال في بداياته، لكن كل شيء يدل حتى الآن على أن الاختراق الاسرائيلي خطير جداً، وربما قادت المعلومات التي يفترض الحصول عليها من شربل قزي وطارق ربعة الى الكشف عن خيوط جديدة ومتورطين جدد، في عملية يقول وزير الاتصالات شربل نحاس، أنها قد تكون أخطر عملية تجسس لصالح العدو.
وفي المعلومات الشحيحة التي تم تسريبها من قبل مخابرات الجيش اللبناني ان طارق كان يتعاون مع الاسرائيليين في تأمين وصول معلومات «نظيفة» من دون شوائب صوتية، الى اجهزة الالتقاط الاسرائيلية المزروعة على طول الحدود، عن طريق تركيب صحون بث وارسال بمواصفات معينة، لا سيما في محطة صفاريه شرق مدينة صيدا. وعلى سبيل المثال، استبدل طارق الصحون التي يبلغ قطرها مترين بقوة بث لا تتجاوز الحدود، بأخرى قطرها أربعة أمتار بقوة بث مضاعفة، كي تستطيع اسرائيل التقاط كل المكالمات التي تمر بشبكة الشركة، كي تتولى الأجهزة المعنية تحليلها أمنياً، علماً أن المنصات الاسرائيلية المنصوبة على طول الحدود مكشوفة، والاعتقاد السائد كان أنها كاميرات مراقبة لا أجهزة تنصت.
وفي تقدير مصدر أمني أن المهندس اللبناني، الذي جندته اسرائيل منذ تسع سنين تقريباً، اي بعد مضي خمس سنوات على دخوله الشركة في العام 1996، تجند لمهمة بالغة الخطورة، وأخطر بالتأكيد من مهمة شربل قزي، لأن طبيعة عمله تشتمل على تعيين مواقع محطات البث وصحون الالتقاط وتحديد آليات الارسال، وهو يتمتع بكفاءة ملحوظة في اطار اختصاصه، بل انه يعتبر من المتميزين في هذا القطاع. ولأنه يتمتع بهذه المواصفات فقد أتاح له موقعه القيام برحلات كثيرة الى الخارج، بمعدل رحلة في الشهر على الأقل، وكانت مظاهر البذخ تظهر عليه بعد كل سفرة الأمر الذي لفت زملاءه ولم يلفت رؤساءه. وفي الاعترافات الأولية التي ادلى بها أنه كان يتلقى مقابل خدماته مبالغ لا تقل عن عشرة آلاف دولار بعد كل لقاء مع الضابط الذي يتولى تشغيله، وأنه زود «الموساد» بالمعلومات التي طلبها وبصورة خاصة الكودات السرية (password) لكبار العاملين في الشركة، بمن فيهم الاداريون والتقنيون، لأن طبيعة عمله كانت تسمح له بذلك.
ويبدو ان طارق يعيش حياة مترفة في منزله الواقع فوق تلال بشامون، وقد أمن لزوجته ثلاث خادمات في المنزل الذي يملكه، وهو يعد لتشييد فيلا فخمة، ويحرص على احاطة نفسه بكل مظاهر التقوى والورع وعلى عدم الاختلاط بالجيران. والظن الراجح ان ضابط الارتباط الذي كلف بالاشراف على خدماته وخدمات شربل قزي هو نفسه، وانه تعاون مع شربل في تمكين الموساد من التنصت على المكالمات اللبنانية، والتدخل في عمليات التحكم والتشغيل التابعة للشركة. وذكر ان موقعه كان يسمح له بامكانية تعطيل خدمات الشبكة في دقائق معدودة من خلال حقنها بمظلة فيروسية قادرة على تدميرها.
والمعلومات التي جمعت حتى الآن أظهرت اهتمام الاسرائيليين باختراق الشبكة الخلوية الثانية (شبكة mtc) والشبكات الارضية ايضاً، الامر الذي استدعى استنفاراً تقنياً واسعاً لاتخاذا التدابير الكفيلة بمنع هذا الاختراق، علماً ان التنصت الاسرائيلي كان قد تواصل بعد توقيف قزي، والجهود اللبنانية منصبة على تأمين “مظلة واقية” او شبكة أمان لقطاع الاتصالات، بالتعاون مع الخبراء المحليين والأجانب. وفي اقتناع هؤلاء الخبراء أن شبكة الخلوي اللبنانية كانت عرضة للاختراق بسبب انعدام اجراءات الحماية، ولا بد من اتخاذ تدابير احترازية لتعطيل امكانية التدخل الخارجي في هذه الشبكة، وتبديل الرموز المعمول بها حتى الآن، وصولاً – كما قال وزير الاتصالات شربل نحاس- الى سد الثغرات التي تم النفاذ منها الى الشركة، علماً ان المسؤولين لا يستبعدون ان يكون عملاء “الموساد” قد احدثوا تعديلات في أنظمة البث او دسوا اجهزة او برامج او فيروسات معينة، او جندوا متعاونين في الشبكة الخلوية الثانية.
وفي انتظار استكمال التحقيقات وكشف ما يمكن كشفه منها، يبدو ان الاهتمام منصب في الوقت الحاضر على حصر الأرقام التي كان كل من شربل وطارق يتصلان بها في الخارج، والتي يفترض أن تكون عائدة لضابط أو ضباط “الموساد”، مع ملاحظة ان شربل يعمل في مجال التخطيط وطارق في مجال الصيانة، وواحدهما مكمل للآخر لأن شربل يقود الاسرائيليين الى كل التغييرات اوالتعديلات التي تطرأ على برامج عمل الشركة، فيما يتولى طارق متابعة مراحل التنفيذ.
ويتزامن الكشف عن شبكة العملاء الجدد داخل شبكة “ألفا”، مع حكم قضائي صدر قبل ايام عن المحكمة العسكرية يقضي بإعدام علي حسن منتش بعد ادانته “بتزويد اسرائيل بمعلومات عن بعض الأهداف استغلتها خلال عدوانها على لبنان في صيف 2006، مما ادى الى قتل مدنيين ومقاومين”، ولا يزال استئناف الحكم متاحاً امام محكمة التمييز العسكرية، لكن التوجه العام في الاوساط السياسية والقضائية، يركز في الفترة الاخيرة على ضرورة انزال اشد العقوبات بالجواسيس والعملاء، بعدما تم توقيف اكثر من خمسين شخصاً منذ نيسان (ابريل) 2009 حتى الآن، في ما اعتبر ضربة كبيرة للاجهزة الاستخبارية الاسرائيلية.
ومعروف ان اعتقال قزي في الشهر الفائت، كما اعتقال اربعة قبل ايام، احدث صدمة كبيرة في الاوساط الرسمية اللبنانية، وفتح نقاشاً واسعاً حول مدى تغلغل اسرائيل في قطاعي الأمن والاتصالات في لبنان، الى حد حمل الرئيس اللبناني ميشال سليمان (الذي يملك صلاحية توقيع قرارات الاعدام) على الدعوة الى معاقبة الجواسيس بشدة، وقد حظيت هذه الدعوة بتأييد شامل في مجلس الوزراء.
وفي الوقت الذي تم توقيف شخص ثالث لم يذكر اسمه في شركة “ألفا”، لا يستبعد بعض العارفين ان تتسع دائرة التوقيفات والتحقيقات في ضوء اعترافات الموقوفين، بعدما تبين ان “الموساد” يختار عملاءه بمقاييس الجودة والكفاءة، قبل وبعد حرب تموز 2006، بدليل ان شربل قزي، مثلاً، ظل يزود اسرائيل بالمعلومات عبر اجهزة دسها في شبكة الاتصالات اللبنانية طوال 14 سنة قبل ان يتم توقيفه.
في السياق إياه سجلت مراجع مطلعة ان الاجهزة التابعة لقوى الأمن الداخلي تتعاون مع مخابرات الجيش بصورة مرضية في كشف الشبكات الاسرائيلية، بدليل ان بيانات المديرية العامة لقوى الامن فصلت بعض تفاصيل هذا التعاون في اكثر من مناسبة.
وفي بيان صدر في حزيران (يونيو) الفائت قالت المديرية إنه من بين الـ 20 شبكة تجسس تم توقيف عشر منها خلال العام الحالي ، كاشفا عن تفاصيل إلقاء القبض على آخر شبكة تجسس أواخر الشهر الماضي .
وتابع البيان أن العملية تمثلت باستدراج شخص مشتبه به من داخل أحد المخيمات الفلسطينية في الجنوب اللبناني من خلال تنفيذ عملية نوعية وضبطت بحوزته أجهزة اتصال وبرامج تشفير متطورة وكان تاريخ التوقيف في 21 حزيران (يونيو) .
واستطرد: نتيجة التحقيق مع الشخص الموقوف تبين أنه كان يعمل لصالح استخبارات العدو الاسرائيلي منذ العام 2005 وزودها بمعلومات أمنية هامة على صعيد منطقة الجنوب اللبناني بواسطة جهاز الإرسال المضبوط.
وأضاف البيان: في إطار رصد ومراقبة شبكات التعامل مع استخبارات العدو الاسرائيلي منذ بداية العام 2009، تمكنت شعبة المعلومات في المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي من توقيف 22 شبكة ، عشر شبكات منها تم توقيفها خلال العام الحالي.
ومن جانبها ، ذكرت صحيفة عربية تصدر في لندن أن القوى الأمنية اللبنانية نفذت منذ نيسان (إبريل) 2009 حملة واسعة ضد شبكات تجسس إسرائيلية أسفرت عن اعتقال أكثر من 70 شخصا بينهم عناصر من الشرطة والقوى الأمنية كانوا مزودين بأجهزة تكنولوجية متقدمة.
يبقى سؤال: كيف توصلت الاجهزة اللبنانية بامكاناتها المتواضعة الى كل هذه الانجازات؟
في رواية اسرائيلية أن ضباط الأمن اللبنانيين استعانوا في الفترة الاخيرة بأجهزة الكترونية فرنسية متطورة للكشف عن الاتصالات المشفرة، وقد تولى خبراء تقنيون فرنسيون تدريب رجال الامن على كيفية استخدام هذه الاجهزة، واعطى مدير عام قوى الامن الداخلي من جهته تعليمات واضحة للضباط الذين تدربوا بحصر نشاطاتهم بالجهات الغربية والاسرائيلية التي تعمل على الأراضي اللبنانية، وعدم ممارسة أي نشاط آخر.
وقد كشف اللواء أشرف ريفي في حديث صحفي عن بعض خفايا عمليات تفكيك الشبكات المتعاملة مع الموساد، مشيرا إلى أن مجموعة خطوط هاتفية حصل عليها أحد العملاء وسلمها الى مشغله الإسرائيلي ساعدت في كشف العديد من الشبكات.
وأكد ريفي وجود “سر تقني” أعطى القوى الأمنية أول خيط لتفكيك الشبكات غير المرتبطة بعضها ببعض على الإطلاق.
وشدد على أنه لا توقيت سياسيا لعملية تفكيك الشبكات الإسرائيلية التي اكتشفتها “شعبة المعلومات” في قوى الأمن الداخلي كاشفا عن إحباط عملية خطيرة لاختراق أمن “حزب الله” من خلال محاولة تجنيد كوادر في الحزب، وأن الحزب حدد بالاتفاق معنا ساعة الصفر لانطلاق هذه العملية.
ويصف اللواء ريفي ما حصل من تفكيك للشبكات الإسرائيلية خلال الأشهر الأخيرة بأنه “ضربة غير مسبوقة في الصراع العربي الإسرائيلي، متوقعا أن تكون نهايتها “ضرب البنية الكاملة للاستخبارات الإسرائيلية في لبنان.
الكفاح العربي