في الأول من آذار 957 ضيّع والدي فردة صبّاطو
عدتُ إلى الوراء أكثر من خمسين سنة ,فتشتُ في مستودع ذاكرتي ,فماذا وجدت؟؟؟؟
صيف 55 كان عمري عشر سنوات ,وكانت حدود مملكتي لا تتجاوز ضيعتي تنورين ,وأظن أن ما كان يجري في ضيعتي ,كان يجري في ضيع الوادي الأخرى .
ذلك الصيف كان قاسياً ومؤلماً في نفس الوقت ,لقد سجن الكثير من أقربائي ,والكثير من أبناء ضيعتي ,كما أن الكثيرين منهم ,سُرّحوا من وظائفهم بعد سجنهم وتعذيبهم ,.
كان الكثير من أبناء ضيعتي ينامون في الأحراش ,وكل ليلة يبدّلون مكان نومهم ,خوفاً من الوشاة ,وخوفاً من زوّار الصبح . كانت الشرطة العسكرية تأتي تقريباً كل يوم ,تفتش البيوت وتطارد المطلوبين .
كانت النساء تخفين الطعام تحت ملابسهنّ ,وتذهبن للكروم لإصال الطعام للشباب الهاربين من وجه الشرطة.
في تلك الأيام لمعَ إسم « عبدو حكيم» (لاأدري إن كان مساعد أو ضابط في الشرطة العسكرية) كان بارعاً في التعذيب .
كان التوتر يخيم على ضيعتنا ,وخاصة بين الواشين والموشى بهم .
في هذا الوقت,كان يعمل في ضيعتنا ,في بناء الأقبية ,إثنان من شيوخ المعمرجيّة هما :بو نيدر (والد المرحوم الأستاذ عيسى النيدر ) ويوسف الحبقة (والد الاستاذ حنا سعادة ),وكنت أحس تعاطفهما مع أقربائي .
بعض الذين سجنوا ,كانو حزبيين ,فزادهم السجن تمسكاً بعقيدتهم ,وبعضهم لم يكُ حزبيّاً ,فجعله السجن حزبيّاً .أحد أقربائي ,كانت زوجته حامل عندما دخل السجن ,وعند خروجه ,ولدت زوجته طفلة ,سموها نجاة ,نجاة عندها الآن ثلاث بنات ,كلهن طبيبات .
كان أستاذ من تنورين اسمه :ديب ديب ,وكان يجيد الفرنسية (كونه بقي في الدير ,في لبنان عدة سنوات ,على أساس أن يصبح كاهناً ,وهو خال الدكتور مروان ملوحي ) ,هذا الأستاذ سُرّح من عمله ,فعاد الى الضيعة ,وعمل مقلعاً للحجارة ,وفي إحدى الأيام ,أثناء تفجير الصخور ,أصيب العامل الذي يعمل معه بجروح ,فأركبه على الجحشة وأخذه إلى مشفى عين العجوز ,وكان يعمل في المشفى طبيب ألماني اسمه فيشر ,(وكان الاستاذ ديب يرتدي ثياب العمل العتيقة الممزقة),وبدأ الأستاذ ديب يتحدث الفرنسية بطلاقة ,فقال له الدكتور فيشر :لماذا تعمل في هذه المهنة الشاقّة ولا تتوظف ؟؟!! ,أجابه الاستاذ ديب :كنت موظفاً وسرّحت من وظيفتي .
* ولماذا سرّحت من وظيفتك؟؟!!
- من اجل عقيدتي وانتمائي الفكري
هنا بدأ الدكتور فيشر ينظر إليه باستغراب وتعجب .... هذا الرجل عنده عقيدة وانتماء فكري؟؟؟؟؟؟؟!!!!!!.
كان والدي عسكرياً (ولم تك له ميول سياسية ),وفي بداية عام 57 سرّح من الجيش وعاد إلى الضيعة وصار يقضي وقته مع أقربائنا
طلبوا منه المساعدة ,فقال لهم,(في شباط من ذلك العام ):أنا جاهز.
في منتصف شباط داروا ليلاً على تنانير الضيعة وجمعوا ما استطاعوا جمعه من الّصفّوة ,كما ذهب أحدهم إلى مرمريتا ,الى عند عبدالله الخربيش واشترى تنكة كاز(وقاموا بهذه الأعمال دون أن يعلم بهم احد ) ,ومساء الاول من آذار جبلوا الصفوة بالكاز ووضعوها في عدة سطول ,وعندما عّتمت الدنيا ,انطلقوا الى جبل المخوزق (دون أن يدري بهم أحد ,وكان والدي معهم ),كان الخوف يرافقهم وكانوا يحسّون أن الشرطة في انتظارهم ,وذلك لشدة خوفهم ,لم يمشوا على الطريق المعتاد بل ساروا بين البساتين ,وكانت الظلمة حالكة .
كانوا يحملون السطول الملآى بالصفوة المجبولة بالكاز.,وعندما وصلوا إلى قمة جبل المخوزق (تقريبا ,مكان بيت أبو رعد ),وزّعوا كبابيش الصفوة على عدة أحجار ,وأشعلوا فيها النار احتفاءً بذكرى الأول من آذار.
في هذه الأثناء كانت مجموعة أخرى (قد تكون من مرمريتا ,تقوم بالعمل نفسه )
عندما أحسوا بحركة جانبهم (لم يكونوا يعلمون بالمجموعة الأخرى ) ظنوا أنها الشرطة بانتظارهم ,فبدؤوا بالركض إلى اسفل الوادي ,وكان الظلام حالكاً ,,
والدي خرجت فردة صباطو من رجله ,تابع الركض بفردة واحدة ,وعندما وصل إلى البيت ,أخبر والدتي بما حصل ,بعد أسبوع اخبرتني والدتي ,كيف أن والدي قد ضيّع فردة صباطو ,وطلبت مني أن لاأخبر أحداً بما حصل .
لأنه لو علم الناس بالقصة لوصل الخبر للشرطة ,ولعرفت الشرطة من أشعل الزينة على المخوزق احتفاءً بذكرى الأول من آذار ,ولذهب الى بيت خالتو .
كتمت هذا الخبر ومع الأيام نسيته ,والآن عندما بحثت في مستودع ذاكرتي ,وجدته ,فقصصته عليكم
د.عيسى حاماتي - تنّورين
ضيعتنا مرمريتا